عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
120
اللباب في علوم الكتاب
دركات النّيران ، فلمّا لم يحمد نفسه ألبتّة إنّما حمد اللّه - تعالى - فقط علمنا أن الهادي ليس إلا اللّه تعالى . قوله : « لَقَدْ جاءَتْ » جواب قسم مقدّر ، و « بالحقّ » يجوز أن تكون الياء للتعدية ، ف « بالحق » مفعول معنى ، ويجوز أن تكون للحال [ أي : ] جاءوا ملتبسين بالحقّ ، وهذا من قول أهل الجنّة حين رأوا ما وعدهم الرّسل عيانا ، « ونودوا » هذا النداء يحتمل أن يكون من اللّه - تعالى - ، وأن يكون من الملائكة . قوله : « أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ » يجوز أن تكون المفسّرة ، فسّرت النداء - وهو الظّاهر - بما بعدها ، ويجوز أن تكون المخففة واسمها ضمير الأمر محذوفا ، فهي وما بعدها في محلّ نصب أو جرّ ؛ لأنّ الأصل : « بأن تلكم » ، وأشير إليها بإشارة البعيد ؛ لأنّهم وعدوا بها في الدّنيا . وعبارة بعضهم « هي إشارة لغائب » مسامحة ؛ لأنّ الإشارة لا تكون إلا لحاضر ، ولكنّ العلماء تطلق على البعيد غائبا مجازا . قوله : « أورثتموها » يجوز أن تكون هذه الجملة حاليّة كقوله : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً [ النمل : 52 ] . ويجوز أن تكون خبرا عن « تلكم » ، ويجوز أن تكون « الجنّة » بدلا أو عطف بيان و « أورثتموها » الخبر . ومنع أبو البقاء « 1 » أن تكون حالا من تلكم للفصل بالخبر ، ولأنّ المبتدأ لا يعمل في الحال . وأدغم أبو عمرو « 2 » والأخوان الثّاء في التاء ، وأظهرها الباقون . و بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تقدّم [ المائدة : 105 ] . فصل في معنى « أورثتموها » قال أهل المعاني : معناه صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله ، والإرث قد يستعمل في اللّغة ولا يراد به زوال الملك عن الميّت إلى الحي ، كما يقال : هذا الفعل يورثك الشّرف ويورثك العار أي : يصيرك إليه « 3 » . ومنهم من يقول : إنّهم أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيها بالميراث . وقيل : إنّ أهل الجنّة يرثون منازل أهل النّار « 4 » . قال عليه الصّلاة والسّلام : « ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنّار منزل ،
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 274 . ( 2 ) ينظر : السبعة 281 ، والحجة 4 / 25 ، والعنوان 95 ، وإعراب القراءات 1 / 185 ، وإتحاف 2 / 49 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 67 - 68 . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 68 .